الجميزة بين الأمس واليوم

علينا أن نتذكر أن بيروت التاريخية أو باطن بيروت، كانت قابعة داخل سور من الجهات الأربع لحمايتها، ولها سبعة أبواب، وكل ما هو خارج سورها

كان يسمّى بظاهر بيروت ويصنَّف بأنه ضواح لها.

أغلب تلك المحلات التي كانت ضواحي لبيروت، كانت عبارة عن بساتين ومزارع وتلال وجلول زراعية تكتنف جوانبها سياجات من الصبير والجميز والقصب وسواها من الأشجار والنباتات المعمرة والمثمرة. لذا، كان من الطبيعي أن تُنسَب أسماء العديد من المحلات والأزقة إلى أسماء تلك الأشجار، التي تصبح مع مرور الزمن راسخة في أماكنها لتتحول معلماً ورمزاً للمحلة أو الزقاق، فيعتاد الأهالي على تسمية تلك الأماكن بأسماء الأشجار الموجودة فيها ومنها على سبيل المثال: كرم الزيتون، الزيتون، جميزة يمين، الجميزة، الدراقن، الخروبة، جل البلح، الصنوبرة وغيرها...

شجرة الجميز صديقة البيروتي

الجميزة شجرة ضخمة تعطي ثمراً طيباً ومفيداً، هي صديقة البيروتي وعزيزة عليه إذ تفيأ ظلالها وتذوق ثمارها، وعمرت أشجارها طويلاً في أرجاء العاصمة، فحدد البيروتيون بعض مناطق مدينتهم بالنسبة إليها، فعرفت بيروت محلتين باسمها. نظراً إلى العلاقة الحميمة التي تربط البيروتيين بشجرة الجميز، فقد دخلت في مآثرهم وانسحبت أيضاً على أمثالهم، ولا يزال البيروتيون حتى يومنا هذا يرددون من هذه الأمثال الشعبية: "الطويل للنخل والتخن للجميز"، و"كبرت بنت النحيلي على جميزة عسور". وكثيراً ما كان الأجداد يخبرون أبناءهم عن الجميزات التي كانوا يمضون تحت ظلالها أيام لهوهم وشبابهم لمناسبة الأعياد وأوقات العطل المدرسية. وكذلك كان الباعة المتجولون في بيروت الذين يبيعون ثمر الجميز بعد العصر في شهر آب ينادون عليه: "تمرّ الجميز تميز"، للفت الناس بأنه قد نضج وأصبح حلو المذاق، لأن عامة الناس كانوا يعتقدون أن الجميز لا يطلع حتى يطلع ضوء القمر في آب.
الحديث عن محلة الجميزة المنسوبة إلى شجرة الجميز ذو شجون وفيه مادة دسمة من الذكريات، التي أصبحت من جملة الوقائع والأحداث التي دخلت في تاريخ العاصمة من بوابة الذاكرة والمرويات الشعبية.

منطقتان تحملان إسم الجميزة

توخياً للدقة علينا أن نميز بين منطقتين منسوبتين إلى الجميزة. يشير المؤرخ عبد اللطيف فاخوري إلى أنه كان يوجد في الماضي إلى شمال محلة زقاق البلاط في مزرعة القنطاري محلة تعرف بـ"جميزة يمين" منسوبة منذ القدم إلى شجرة جميز تخص شخصاً من عائلة يمين المعروفة، ورد ذكرها عندما بنى عبد الفتاح آغا حمادة قصراً له في تلك المحلة عام 1827. ويؤكد فاخوري أن هذه المحلة هي غير زقاق الجميزة شرق العاصمة التي لا تزال تحمل الإسم نفسه حتى يومنا هذا، والتي كانت في الماضي زقاقاً متفرعاً من محلة الصيفي. ويوضح أن جميزة يمين قديمة العهد، في حين أن حي الجميزة الذي لا يزال قائماً حديث العهد. ويستند المؤرخ فاخوري في استنتاجه هذا إلى عدد من وثائق المحكمة الشرعية التي ميزت بين المحلتين:
جميزة يمين: ففي وثيقة مؤرخة في 13 من ذي القعدة 1290 هجرية اشترى عبد الرحمن محمد النقاش من حسين سعد الدين النقاش حصته من قطعة الأرض الكائنة في زقاق البربير التابع لمحلة جميزة يمين. وتشير وثيقة مؤرخة في 14 ربيع الأول سنة 1293 هجرية إلى تأجير أرض وقف محمد آغا الطرابلسي الكائنة في محلة جميزة يمين من زقاق البلاط" خارج المدينة.
جميزة الصيفي: تفيد الوثيقة رقم 98 المؤرخة في 9 شعبان سنة 1290 هجرية أن تسبينا عبد النور اشترت قطعة أرض كائنة في زقاق الجميزة التابع لمحلة الصيفي خارج المدينة. وفي 30 من ذي الحجة 1290 هجرية وقفت سارة عطاالله الخياط أرملة يعقوب بشور القبو المعقود السفلي المفتوح بابه لجهة القبلة وجميع البيت المسقف الملاصق له الواقعين في زقاق الجميزة التابع لمحلة الصيفي. وفي 28 رجب 1291 هجرية اشترى ميخائيل يوسف القصيد الدمشقي قطعة أرض كائنة في زقاق الجميزة التابع لمحلة الصيفي.

الجميزة الحالية

في العودة إلى شارع الجميزة موضوع دراستنا الذي كان الجار الهادئ لقلب بيروت النابض، حيث يعتبر جزءاً من منطقة الصيفي، هو من أطول الشوارع اللبنانية القديمة (كما أظهرت الدراسة التي أعدها طلاب معهد الألبا عام 1983). ويعود ظهور هذا الشارع كحي سكني إلى العام 1850 ليكتمل في العام 1915. ففي تلك الفترة شهدت بيروت نهضة تجارية سمحت بامتداد العمران خارج سورها، وأفاد شارع الجميزة من هذه الطفرة ليتشكل كما عرفناه، منذ القدم حتى يومنا هذا، وذلك بفعل أربعة عوامل: أولها نقل السلطنة العثمانية مركز الحكومة إلى بيروت، فأتى العاصمة السفراء والقناصل وازدهرت التجارة، وثانيها توسع مرفأ بيروت وطلب أهالي العاصمة مصيفاً خارجها، أما ثالثها فكان إنشاء المدارس الخاصة بالإرساليات الأجنبية أيام الإنتداب الفرنسي، ورابعها حرب الجبل التي ساهمت بنزوح عدد كبير إلى المنطقة المحيطة بها، حيث بدأت في تلك الفترة حالة العمران في الجميزة لتنشأ أبنية من أربع طبقات كحد أقصى تعلو دكاكين ومتاجر صغيرة. إلا أن شارع الجميزة اكتسب أهميته من سحر تاريخي وتراثي تمثل في بيوته التي لا يزال الكثير منها محافَظاً عليه. فكانت النوافذ العالية والباحات الفسيحة تتقدم باب البيت الرئيسي وأحواض الزهور التي تتدلى من النوافذ والشرفات المحمية.
تسمية المنطقة بالجميزة، تعود حتماً إلى شجرة الجميز. لكن التسمية لها قصة طريفة وظريفة، وفيها مفارقات مثيرة تعطينا صورة زاهية عن مستوى الأخلاق والعلاقات الإنسانية بين أبناء بيروت وأهلها. هذه قصة نرويها نقلاً عن المؤرخ المرحوم طه الولي الذي كتب تفاصيلها على النحو الآتي: "في أوائل الربع الأخير من القرن ما قبل الماضي وعلى وجه التحديد سنة 1874 تم الإتفاق بين السلطات العثمانية وإحدى الشركات الفرنسية على أن تقوم الشركة بتخطيط بعض الطرق داخل سور بيروت وخارجه وتوسيع الأسواق التجارية في القطاع القديم من المدينة. وكان في مدخل بيروت من الجهة الشرقية، الذي كان يعرف آنذاك باسم "طريق طرابلس" أرض تخص إحدى العائلات المسيحية. وكان في هذه الأرض شجرة جميز ضخمة. وذات يوم عزم صاحب الأرض على زيارة مدينة القدس، على عادة المسيحيين في الحج إلى هذه المدينة للتبرك بمعالمها الدينية، لكنه خشي خلال غيبته في القدس أن يعبث بها بعض العابثين فعهد بحراستها إلى أحد أصدقائه من المسلمين وأوصاه أن يحافظ عليها إلى حين عودته من الديار المقدسية، وفي أثناء غيبته باشرت الشركة الفرنسية توسيع طريق طرابلس وتعبيدها إلى أن وصل تخطيط هذه الطريق إلى أرض يمّين فطلبت الشركة إزالة الجميزة التي كانت تعرقل أعمال التوسيع والتعبيد. فما كان من الرجل المسلم إلا أن وقف حائلاً بين الشركة وبين اقتلاع الجميزة حتى إنه عندما رأى الفعلة يقتربون بمعاولهم من هذه الشجرة لاقتلاعها بادر إلى إحاطتها وطوقها بذراعيه قائلاً: إن هذه الجميزة أمانة في عنقي إلى حين عودة صاحبها فإذا أردتم بها سوءاً فابدأوا بي وإلا فانتظروا عودة صاحبها وافعلوا عندئذ ما تشاؤون فيها. العجيب أن السطات البلدية في ذلك الحين أخذت في الإعتبار الدوافع الخلقية التي حدت بذلك الرجل إلى أن يحافظ على الوديعة التي أمّنه عليها صديقه وأوعزت إلى الشركة الفرنسية أن تتجاوز تلك الشجرة وترجئ اقتلاعها إلى أن يعود مالكها من القدس. وهذا ما حصل بالفعل، فإن الشركة أبقت الشجرة في مكانها وتجاوزتها إلى بقية الطريق، ولما حضر صاحب الأرض وجد جميزته لا تزال تختال بجذعها الفارع وأغصانها الظليلة الوارفة، ولكن ضرورات العمل لم تترك هذا الرجل يجني ثمرة حفاظ صديقه على شجرته التي خضعت لشفار فؤوس الفعلة وأسنّة معاولهم وزالت على الأثر من الوجود".
يذكر في هذا المجال أن واحدة من شجرات الجميز لا تزال على قيد الحياة في شارع غورو في منطقة الجميزة الذي يحمل اسم المفوض السامي الفرنسي في لبنان فترة الإنتداب (1919 – 1923) وعراب إنشاء دولة لبنان الكبير في عام 1920. مع الإشارة في هذا المجال إلى أن الطريق التي كانت تنطلق من جنوب شرق ساحة البرج وتمتد في موازاة "برج الكشاف" بقيت حتى العام 1909 تسمى "درب النهر"، ثم سميت "شارع محمود شوكت باشا"، وكانت مخصصة لعبور عربات الخيل والسيارات التي تؤمن خط المواصلات إلى شمال لبنان. وفي العام 1919 سمي هذا الشارع بمبادرة من الأهالي بشارع غورو. أما الشارع الثاني الموازي لشارع غورو في منطقة الجميزة" فيحمل اسم اليولوجي الفرنسي باستور. نشير في هذا المجال أيضاً إلى أن شارع الجميزة قبل أن يعرف بهذا الإسم، كان يطلق عليه إسم شارع البيارة، وهي كلمة عامية تعني الآبار، نظراً لكثرة عيون الماء فيها.

درج مار نقولا

من أبرز معالم شارع الجميزة درج مار نقولا الذي صار يعرف بـ"درج الفن". كان في الماضي ممراً ترابياً، يختبئ فيه الهاربون من الأتراك الذين تداركو الأمر، فسوّروه بالحجار، فصار أشبه بجسر غير مرتفع. في ما بعد عاد ليكون ملاذاً للهاربين، لكن هذه المرة، من جنود الإنتداب الفرنسي. مع الإشارة إلى إن هذا الدرج لم يصبح 202 درجة تمتد على مساحة 150 متراً إلا في الستينات. وطبعاً، طاولته الحرب الأهلية، قبل أن يرمم في 1999، بهدف تحويله مساحة فنية على غرار درج مونمارتر في فرنسا.

مقهى "القزاز"

من معالم الجميزة حتى الأمس القريب "مقهى الجميزة" الذي لفظ أنفاسه الأخيرة منذ حوالى السنة. وكان يعرف بـ"قهوة القزاز" (غير تلك التي كانت موجودة في ساحة البرج) نظراً للزجاج الذي كان يحيط مداه كما بابه، حيث كان مكشوفاً للمارة لرؤية رواده في الداخل. تاريخ هذا المقهى يعود إلى 1929 وكان وقتذاك عبارة عن خيمة أقامها أحد قبضايات المنطقة المعروف بـ"الأسطا باز"، على واجهة إحدى البيانات وبعد سنوات عدة اشترى المبنى حسن الصمدي وتحولت الخيمة إلى مقهى وبقي باز على إدارتها وجعل واجهاتها من الزجاج. ومنذ ذلك الحين صارت ملتقى ومقصداً لأهل المنطقة والأحياء المجاورة. في العام 1945 قرر يوسف عبود أن يستثمر المقهى الذي أضاف إليه بعض التحسينات وصار يستقطب أبناء المنطقة الأريستوقراطيين وكبار القوم والوجهاء والسياسيين أمثال الشيخ بيار الجميل والرئيس صائب سلام والرئيس كميل شمعون وفؤاد بطرس وميشال ساسين والأمير مجيد أرسلان وغيرهم. وكان عبود قد أوصى بالمقهى بعد وفاته لسيدة من آل أبي حيدر بدأت بإدارته في عام 1951 إلى حين إقفاله مع بداية الأحداث، ثم أعيد افتتاحه في مطلع الثمانينات، وبعد العام 1992 عاد المقهى إلى أنجيل إبنة السيدة أبي حيدر لينفض غبار الزمن والحرب عنه ويستقبل مجدداً زواره ورواده القدماء والجدد.
يذكر في هذا السياق أن مقهى "القزاز" في الجميزة كان أول من استقبل النساء في بيروت لتناول القهوة وتدخين النارجيلة ولعب الورق والطاولة، حيث أن ذلك كان ممنوعاً تبعاً للتقاليد الإجتماعية آنذاك ومنها أنه كان معيباً على النساء ارتياد المقاهي والإختلاط مع الرجال، فجاء مقهى الجميزة لكسر هذا التقليد، وكان اول مقهى مختلف.
هكذا كانت منطقة الجميزة قديماً أشبه بقرية هادئة في مدينة صاخبة تسودها أجواء الأرياف، وتُمازج بين المحافظة على طابعها التراثي الراسخ والإنفتاح المطمئن على الحداثة مع الثبات على العراقة المتمثلة في كنائسها السبع والمدارس التاريخية ومحترفات الخزف ومحال حرف التجارة والحدادة وبيروت الحقبتين العثمانية والفرنسية، وذلك قبل أن تغزوها المعادلة الإستثمارية السياحية المستجدة والمتصاعدة إعتباراً من العام 2002 المعطوفة على الإزدهار الريعي والمردود المربح على مدى الأعوام التي تصل إلى العشرة، لتصبح عنواناً للسهر والحياة الليلية، مما أدى إلى تعديل جذري في هوية التصميم الأنيق لمعالمها التاريخية والتراثية ونمط الحياة الذي كان بعيداً عن الصخب والضجيج والزحام.

http://www.annahar.com/article.php?t=adab&p=1&d=24930