Twitter Twitter Facebook RSS linkedin

 

أكبر مدينة تراثية لبنانية... مهدّدة بالسّقوط

كلّ الإعتراضات والمحاولات لوضع حدٍّ لمسلسل التعدّيات على طرابلس التراثية لم تجدِ نفعاً... ولا تزال المباني التراثية والأثرية عرضةً للانتهاك تحت مسمّياتٍ عدّة، بدءاً من السّرقة والبيع والتصدير والتشويه، وصولاً إلى الهدم، وذلك بغية إقامة مبانٍ باطونية مكانها.
 
يبدو أنّ عاصمة الشمال تعيش أيام "عزّها" الأخيرة، وهي تودّع ما تبقّى من ثروتها الأثرية والتراثية والتاريخية الهائلة، التي تعود الى عهود مرّت من تاريخها، تمهيداً لتشييد أبراج مكانها، في عمليات يقف وراءها مافيات ومتموّلون...

جولة في طرابلس

في جولة لـ "الجمهورية" داخل أسواق طرابلس الأثرية والمدينة القديمة، بدت المدينة متحفاً حيّاً لا تزال معالمه التاريخية تنبض بالحياة سواء بالأبنية التراثية المأهولة، أو بالمحلات التجارية ذات العقود الحجرية الممتدة ضمن مناطق وخانات وأسواق تاريخية تعود الى أكثر من 700 سنة.

إلّا أنّ أكثر ما فاجأنا، وسط مئات المعالم العائدة الى الحقبة العثمانية، فضلاً عن الآثار المملوكيّة والصليبية المتبقية، هو حجم الإهمال والتصدّع والإعتداءات التي تتعرض لها معالم المدينة، فضلاً عن وِرَش الهدم التي تطال بعض المنازل القديمة الملاصقة للمحلات التجارية في الأسواق القديمة، وكل ذلك يحصل في وضح النهار ولا من حسيب ولا رقيب... ويلاحَظ على سبيل المثال، اختفاء العقود الحجرية من الأبنية القديمة، وأيضاً الكثير من الأبواب الخشبية للمحلات التي أُعيد ترميمها، وبعض الشبابيك والمشربيات والشمسيات الحديدية العائدة لها، فضلاً عن الكتابات والرسومات.

هذا فضلاً عن حال الفقر والحرمان التي تطغى على المدينة، إضافةً الى الوضع المتردّي للطرقات التي تعجّ بالحفريّات المستمرّة والغامضة، والتي قال أحد سكان المنطقة القدامى رفض الإفصاح عن اسمه، لـ"الجمهورية"، "يقال لنا إن ما يحصل هو بهدف توسع الطرقات، إلّا أنّ ما تبيّن هو أنّ عدداً من الأشخاص يجرون حفريات في بعض المنازل القديمة المهجورة بحثاً عن أوانٍ قديمة أو ذهب وفخاريات لعرضها على تجار الآثار ومافياتها سواء في طرابلس أو خارجها وجني أموال طائلة من خلالها".

وفي هذا السياق، لاحظنا تشويه مبان قديمة في "زقاق الرمانة"، واعتداءات على "قصر شاهين" المسجل على لائحة الجرد العام، والذي يفك السكان حجارته ويعملون على نقلها إلى أماكن مجهولة.

وتشير المعلومات إلى أن عمال البلدية حاولوا مصادرة تلك الأحجار، لكنهم تعرضوا للتهديد، من دون أن تتمكن الشرطة من استعادتها، بحجة عدم زج العناصر في معارك داخلية مع الأهالي. ذلك إضافة إلى فك أحجار سيار الدرك القديم، قرب "الجامع المنصوري الكبير" المسجل على لائحة الجرد، على غرار ما حصل في "مسرح الانجا"، الذي انهار ثلاث مرات قبل هدمه.

الأمر عينه ينطبق على "قصر العلّامة عبد المجيد المغربي" في شارع الراهبات، والذي يتعرّض للانهيار تباعاً ولسرقة مكنوناته، حتى بات يهدد السلامة العامة وحياة إحدى العائلات المستأجرة طابقه الأرضي. وكذلك الحال بالنسبة إلى "قصر آل غانم".

وفي ظل الإهمال والغياب الرسمي التام عن استثمار آثار المدينة وتراثها، أسئلة كثيرة تراود كلّ طرابلسي وكلّ لبناني عن مصير تلك المباني التي تشهد عمليات سرقة وتشويه وتهديم متعمَّدة؟ فمَن المسؤول عن تلك الارتكابات؟ وما هو دور رئيس بلدية طرابلس والمجلس البلدي ومديرية الآثار؟

الغزال

مع عودة رئيس بلدية طرابلس الدكتور نادر الغزال عن استقالته، عاد السّجال الدائر بينه وبين معارضيه في المجلس البلدي، وسط جولات لامتناهية من تبادل الاتهامات بدأت منذ تولّيه المنصب عام 2010، ويبدو أنها لا تنفكّ تزداد حدّة يوماً بعد يوم.

وفي هذا الإطار، لم ينفِ الغزال لـ"الجمهورية"، تقصير البلدية بسبب غياب الإمكانات. "فالبلدية تفتقر إلى دائرة هندسية خاصة بالمعالم التاريخية، وإلى وحدة من المهندسين وأفراد الشرطة السياحية مهمتها مراقبة وحماية تلك المعالم أسوة بسائر المدن المصنّفة أثرية وتراثية"، مجدداً المطالبة بـ"تطويع مئة شرطي جديد لمتابعة كل مخالفة تحصل ضمن أي من المباني الأثرية، وهذا ما نسعى إليه نظراً الى النقص الكبير بعدد العناصر"، مشدداً على "ضرورة أن يعي أصحاب الأملاك الأثرية في طرابلس، أهميتها وأنها تشكل ثروة حقيقية، كما نحتاج إلى رعاية المديرية العامة للآثار".

وعن علاقته بأعضاء المجلس، قال غزال: "على رغم مناشدة السياسيين ترك الخلافات السياسية في منأى عن العمل البلدي، إلا أنّ كل الدعوات باءت بالفشل، واستمر الأعضاء بمناكفاتهم وكيديّاتهم لتشويه صورتي حتى وصلوا الى تجميد كل مخصّصات رئاسة المجلس".

تدمري

من جهته، قال رئيس "لجنة الآثار والتراث" الدكتور خالد تدمري أنه "لم يعد خافياً على أحد أن طرابلس أصبحت اليوم مكشوفة أمام مافيات الآثار والحجارة القديمة، وتتعرّض لسرقة موصوفة تطال ثروتها الأثرية والتراثية في محاولة لتدميرها وتفريغها".

ولفت إلى أنّ "معظم المواقع الأثرية والدور السكنية هي إما أملاك خاصة وإما تابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية، في حين أن الدولة لا تملك من بين كل تلك المعالم سوى قلعة طرابلس، وخان العسكر، وبرج ساعة التل، وأخيراً حمام عز الدين"، مشدداً على "ضرورة إيجاد وحدة خاصة من الشرطة البلدية تقع على عاتقها مراقبة تلك المعالم، وإزالة التعديات ومنع السرقة بمؤازرة من القوى الأمنية المعنية".

وإذ رأى "اننا نشهد تعدياً جديداً على قرارات السلطة البلدية والقوانين المرعية، حيث هدَم المالكون الجدد لقصر العجم الثالث، واجهته الرئيسية على رغم عدم صدور رخصة هدم من البلدية، وقبل انتهاء المديرية العامة للآثار من إنجاز تقريرها لجهة تصنيف البناء تراثياً"، أكّد تدمري أن "القرارين اللذين صدرا عن وزارة الثقافة بمنع هدم أيّ مبنى تراثي من دون الحصول على إذن مسبق منها، لا يهدفان كما يحاول البعض الإيحاء، إلى التهجّم على مالكي تلك العقارات التي تُدمّر على أيديهم بشكل مخالف، إنما إلى كشف ما يجري من انتهاك للقوانين وتحميل المخالفين كامل المسؤولية عن عدم حفظهم بل تدميرهم التراث المعماري".

صبح

في المقابل، نفى عضو المجلس البلدي خالد صبح لـ"الجمهورية"، الكلام عن انقسام الهدف منه النيل من رئيس البلدية، مؤكداً "أنّنا كأعضاء، لم نختلف أبداً على المصلحة العامة داخل طرابلس، ولطالما كان هدفنا أن نكون جميعاً يداً واحدة من أجل إنماء المدينة".

وشرح: "السلطة التنفيذية في تسيير المرفق العام هي في يد رئيس المجلس وحده، في حين أنّ المجلس البلدي هو السلطة التقريرية فقط، أي أنه يعود الى الرئيس الاهتمام بالشؤون اليومية للمدينة وأن تكون له الرؤية لتدبيرها. وبالتالي، فإنّ أيّ كلام عن عرقلة المجلس لعمل الرئيس، في تسيير هذه المهمات، هو كلام غير صحيح وغير قانوني"، مؤكداً أن "أي عضو آخر في المجلس البلدي، سواء أكان منفرداً أو المجلس مجتمعاً، لا يملك صلاحية أن يأمر أجيراً واحداً في البلدية، وعليه، فإنّ أي خلل أو تراجع في الأداء البلدي، يعود الى إخفاق رئيس البلدية".

وإذ أعرب عن عدم رضى المجلس عن أداء الرئيس، أشار الى أن "أعضاء المجلس الحالي سبق أن تقدّموا بـ 60 مشروعاً إنمائياً للمدينة، منها مشروع استملاك مستشفى نشّابة وتزفيت الطرقات، إلّا أنها نامت كلها في الأدراج بفضل رئيس البلدية الذي حرص على عرقلتها إدارياً".

وأضاف: "لكن الرئيس لم يكتف بذلك، بل عمد الى تحميل المجلس مسؤولية تقصيره، متذرّعاً بأنّ المجلس يمنعه من القيام بأعمال التزفيت ويعطّل المناقصة، فيما العكس هو الصحيح".

واشار إلى أنه "بعدما أجرينا المناقصة في حزيران الماضي، وأقرّينا مشروع أعمال التزفيت، تبيّن أنّ التكلفة أكبر من المبلغ المرصود أو المتوافر، علما أننا نستطيع في هذه الحال أن "ننسّب" أي مبلغ من مكان الى آخر وذلك استنادا الى المصلحة المالية".

وتابع: "وإذ بنا نفاجأ في الحادي عشر من شباط الماضي، بطلب الرئيس الذي يضع جدول الأعمال، وبناء على رأي المصلحة والتي هو من عيّن رئيسها بالانتداب بالوكالة فيها، بإلغاء المناقصة"، لافتاً الى "أننا رفضنا هذا الكلام جملة وتفصيلاً.

ففي علم المالية يجدر بنا في حالات مماثلة اللجوء الى ما يعرف بـ "التنسيب" و"فتح الاعتماد"، وعلى الإثر ناشدنا المصلحة المالية إيجاد المبلغ المنشود من خلال "تنسيب" معيّن لإتمام المناقصة حتى يبصر المشروع النور. غير أنّ الرئيس "نيّم" الموضوع في أدراج المصلحة العامة، وخرج للأسف "يتبجّج ويتشدّق" ويهدّد بالاستقالة مُحمّلاً المجلس المسؤولية".

وقال: "أنا أتحدّى رئيس البلدية وأسأله أن يطلعنا على المشروع الذي تقدّم به وجوبِهَ بعرقلة المجلس"، معلناً أنه "يحق للمجلس في شهر حزيران المقبل سحب الثقة من الرئيس، وهذا خيار وحق قانوني وديموقراطي".

ورأى أن "المديرية العامة للآثار تتعامل مع الملف الأثري باستهزاء واستخفاف وإهمال كبير. ففي الوقت الذي لا يملك المجلس البلدي الإمكانات لترميم المرافق الأثرية، يتوجب على مديرية الآثار وضع الخطط الكفيلة بالترميم، إذ لا يكفي وضع الإشارة فقط على المبنى للدلالة على أنه أثري أو تراثي ومنع هدمه".

الخُجا

بدوره، حمّل المحامي الطرابلسي عامر الخُجا مسؤولية كل ما يحصل إلى رئيس لجنة الآثار، "الذي استغل منصبه لتحقيق مآرب ومصالح شخصية على حساب البلدية".

وإذ شرح كيف أن "معظم المباني أصبحت آيلة إلى السقوط، بسبب حالات السرقة الممنهجة التي تتم عمداً، وفي وضح النهار، لعناصر المباني التراثية، إضافة إلى العمل على خلخلتها بوسائل شتى لإسقاطها وإعادة البناء على أراضيها سواء في منطقة القبة التي تغص بالمباني التراثية أو ببقية مناطق طرابلس"، سأل الخُجا عن سبب "عدم مبادرة تدمري، الذي يشغل منصبه منذ أكثر من 10 سنوات، إلى وضع جدول بالأبنية التراثية لحمايتها، وتفعيل قرار وزير الثقافة بعدم هدم أي مبنى قديم، والموجود منذ عام 2004، إلّا أخيراً، وذلك بعدما تمّ هدم أهم المباني التاريخية"، مستغرباً "كيف أن تدمري تذكّر أخيراً، وبشكل انتقائي، أن في المدينة آثاراً وتراثاً يجب الحفاظ عليها، هاملاً الآثار الحقيقية والمهمة، وقد عمد اليوم الى إثارة ضجة وحملة كبيرة على إزالة قصر العجم الثالث، في حين أنه لم يعمد الى إزالة مرسوم التخطيط المدون على الصحيفة العقارية، والذي يأخذ القسم الأهم من قصر العجم لتوسيع الطريق".

واتهم الخُجا تدمري بأنه "يطمح مع اقتراب موعد الانتخابات إلى تبوّء منصب رئاسة البلدية، علماً أنه غطى ووافق وشارك رئيس البلدية الحالي في التسبب بالحال التي وصلت إليها بلدية طرابلس بإهدار المال البلدي، وهو مال الطرابلسيين".

وإذ حمّل الجهات الأمنية "مسؤولية ملاحقة كل من تخوّل له نفسه التعدي على المباني التراثية"، ناشد رئيس الجمهورية ومجلسي النواب والوزراء "عدم السكوت عن حالات الهدم، ووضع خطة عمل عاجلة للحفاظ على آثار طرابلس وتراثها، وقبل ذلك الحفاظ على أرواح شاغليها".
 

 

http://www.aljoumhouria.com/news/index/64173

Scroll to Top