المباني التراثية تعاني قساوة البشر والحجر

شكلت طرابلس على مر العصور ملتقى حضارات وثقافات عدة، وإن ذكر لفظ المدينة في أي من دول العالم يتبادر إلى الذهن فورا أمور ثلاثة:  التراث والأثار والعمران.

 

في الشكل لا تزال المدينة معلما تراثيا راقيا يرد الزائرين إلى زمن “العهد القديم”، أما في المضمون فإن طرابلس مع كل تقدم لعقرب الساعة ثانية إلى الأمام، تتراجع دهورا إلى الوراء!

ماذا حل بقصر شاهين في باب الحديد يا طرابلس؟ وقصر آل غانم من المنطقة نفسها؟ أين قصر آل آغا في منطقة المهاترة، وقصر آل المغربي في حي النوري، ومبنى سيار الدرك المعروف بمدرسة الأمركان المهجورة؟ ما مصير قصور آل عويضة في منطقة التل؟ كل تلك المباني التراثية العملاقة متروكة لتجابه وحيدة قساوة البشر والحجر.

عمر المباني التراثية تلك من عمر المدينة، وهو ما يزيد عن 800 سنة مرت دون تأهيل أو إصلاح أو محاولة ترميم. ما يشكل المعبر الأساسي نحو الإهتراء، والنتيجة الحتمية للسقوط. وإن كانت كارثة مبنى فسوح في الأشرفية قد كشفت النقاب عن أزمة المباني المتصدعة في لبنان، فإن الفرق بين ذاك المبنى وما هو موجود في طرابلس، يتجلى في كون المباني الطرابلسية تراثية ذات مضامين تاريخية، فيها الكثير من النحوت والنقوش والزخرفات التي لا يستطيع أي من أفخم مهندسي العالم إعادة تصنيعها.

وعلى أثر سقوط مبنى الأشرفية تحركت الجهات المعنية في بلدية الفيحاء، وخصصت لجنة لدراسة أوضاع المباني حتى سجل التالي:

أكثر من 200 مبنى في طرابلس مهددين بالإنهيار!

رداعلى هذا الرقم المخفيف كان لموقع TripoliScope إستطلاعا لمدى إطلاع الناس على هذه الحقيقة المرة، فكانت أجوبة المارة على الشكل الآتي:

-سحر (20سنة): “الرقم كبير جدا، لم أكن على علم بذلك”.

-أحمد (65 سنة): “في الصيف الماضي هبط علينا أول “شق” من صقف منزلنا، لا أستغرب البتة أن تكون طرابلس كلها مهددة بالإنهيار.”

-نعيم (32 سنة): “إذا؟ هل يجب أن أخاف! البلد كله ينهار “شو وقفت على المباني؟!.”

-كلوديا (34 سنة): “نرجوا أن يكون المسؤولون في البلد قد قرأوا هذا التقرير جيدا.”

في السياق، نجد في منطقة “الغرباء” المتراصة بالأحياء الفقيرة، بناء مؤلف من خمسٍ طبقات، ينطق بمفرده شاكيا الحالة المتردية التي وصل إليها. لا يحتاج سكان الشقق الخمس إلى البوح عن معاناته، فهي تبدو جلية عند الزيارة. وبمقابل احصاء البلدية القاضي بوجود 200 منزل “قيد السقوط” وعلى فداحته، فإنه اقل ألما من الفضيحة الأعظم بإنذار قاطني المبنى وإلزامهم على إخلاء الشقق.

 فهل يستطيع فقراء طرابلس وجوارها إخلاء منازلهم؟ هل فكر أعضاء البلديات ورؤسائها بحالات التشرد والتسول التي ستتكاثر تديريجيا مع عمليات الإخلاء؟ وهل من الصحيح أن نحل مشكلة المباني المتصدعة بإحداث كارثة بشرية أكبر منها؟

بعض هؤلاء السكان يفضلون الموت تحت الأنقاض على التشرد والعوز، فأين أمست إتفاقيات حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية التي يوقع عليها لبنان بأجهزته كافة عندما تستنزف أقل معايير الكرامة للبشر؟

أزمة المباني كارثة إنسانية حقيقية، تتطلب الفعل الجدي والمباشرة بالعمل دون تأخير، مع التوقف عن عقد المؤتمرات والندوات والمحاضرات دون جدوى. فالحل إن أردناه، يكون حين تقرر الحكومة وضع خطط ميدانية متكاملة تتعاون فيها مع كل من الوزارات المختصة، البلديات، الدوائر الهندسية والنقابات الهندسية بفروعها كافة لإطلاق صفارة التنويه ببدء العمل على أرض الواقع.

tripoliscope ” تحقيق ساندي حايك