الميناء: اكتشافات أثرية رومانية وبيزنطية

الأعمدة الأثرية المكتشفة تحت المدرسة الأنطونية (غسان ريفي - جريده السفير)

تحولت الأنظار أمس إلى «مدرسة سيدة النجاة الأنطونية الدولية» في الميناء، بعدما كشفت أعمال الحفر الجارية على مساحة 350 متراً مربعاً، بهدف توسعتها وجود أعمدة وتيجان ومعالم أثرية، يقول خبراء إنها تعود إلى الحقبتين الرومانية والبيزنطية، ما يؤكد أن طرابلس القديمة كانت قائمة في ذلك المكان قبل أن يضربها الزلزال في العهد البيزنطي، ويقبلها رأساً على عقب.
واللافت أن الاكتشافات لم تلق الاهتمام اللازم من قبل المديرية العامة للآثار، فتم رفع نحو عشرة أعمدة غرانيت من الموقع بشكل عشوائي ووضعها في مكان قريب، واستكمال أعمال الحفر بموافقة المديرية وبناءً على رخصة من بلدية الميناء.
وطرح ذلك، عدة تساؤلات حول التعاطي الرسمي مع المعالم الأثرية والتراثية في طرابلس والميناء، المصنفتين في مقدمة المدن الأثرية في لبنان، خصوصا في ظل التجارب السابقة لجهة الإمعان في هدم حمامات ومسارح وأبنية، ومؤخراً طمس معالم أثرية نادرة يمكن أن تشكل عامل جذب لكثير من الخبراء والسياح، ما يؤكد التعاطي اللامسؤول مع آثار المدينتين، في ظل صمت مطبق من قبل من يفترض بهم الحفاظ على هذه الثروة باستثناء «الحملة المدنية لإنقاذ آثار وتراث طرابلس»، التي رفعت الصوت في هذا الإطار مطالبة بالحفاظ على المدرسة الأنطونية بداية، والاستفادة من الاكتشافات في منح المدرسة قيمة مضافة كونها قائمة على كنز تراثي.
وقد استغربت «الحملة» تسرّع المديرية العامة للآثار بإعطاء الإذن بجرف الموقع ومتابعة أعمال الحفر وصبّ الأساسات الباطونية فيه، وإعطاء بلدية الميناء ترخيصاً بذلك، مشيرة الى أنه تمّت إزالة الأعمدة المكتشفة من مكانها على وجه السرعة من دون تكليف لجنة اختصاصيّين من علماء آثار ومؤرّخين للكشف على الموقع والتنقيب فيه بشكل علمي لتحديد هويته وتاريخه وأهميته، واكتفت برأي مسؤولة الآثار في الشمال التي كلّفت موظفاً من قلعة طرابلس غير متخصّص في الآثار بالإشراف على أعمال سحب تلك الأعمدة بالحبال من الموقع بواسطة الآليات الضخمة وليس بالأساليب العلمية، ممّا تسبّب بخدشها وجرح بعضها والعبث بالموقع الأثري.
ولفتت «الحملة» النظر الى أنه تمّ إغلاق الشوارع المؤدية إلى الموقع لعدة أيام لإتمام ذلك، ووُضعت الأعمدة على الرصيف الداخلي للمدرسة ولا يزال التاج الحجري مائلاً في موقع الإنشاءات! كما رصدت الحملة ظهور أجزاء من قناطر مبنية وأعمدة لا تزال مدفونة في الجوانب المحيطة لحفرة الإنشاءات، بالإضافة إلى عدد كبير من الحجارة القديمة، وقد تكون هنالك تفاصيل أخرى حصلت في الموقع أو اختفى أثرها تماماً حيث يمنع الدخول إليه أو التصوير فيه.
واستهجنت «الحملة» باسم أبناء الميناء وطرابلس وكل الغيورين على تاريخ مدينتهم تعاطي المديرية العامة للآثار باستخفافٍ مع هذا الاكتشاف التاريخي الهام في الميناء وعدم إعطائه الأهمية اللازمة وكأنه لا يحق لمدينتيّ طرابلس والميناء الكشف عن تاريخهما الفينيقي والروماني والبيزنطي على غرار باقي مدن الساحل اللبناني التي تتغنى كل يوم بمكتشفاتها الجديدة، التي تحظى باهتمام البعثات الآثارية المحلية والأجنبية للتنقيب فيها وبناء المتاحف الخاصة في كل منها.
وإذ هنأت «الحملة» إدارة المدرسة الأنطونية على هذا الاكتشاف الهام الذي سيُكسب المدينة في حال عدم طمسه قيمة أثرية مضافة، كونه ذو هوية فينيقيّة ورومانيّة وبيزنطيّة.
إضافة إلى معالمها الأثريّة المعروفة من الحقبات الصليبيّة والمملوكيّة والعثمانيّة والتي من بينها كنيسة سيّدة النجاة التي تتبعها المدرسة، أوضحت أنها بالطبع تسعد بتوسيع حرم المدرسة ومتمسّكة ببقائها في موقعها كونها تشكل جزءأً من نسيج طرابلس والميناء المتنوع والمتكامل، إلاّ أنها تطالب بالكشف على هذا الموقع ودراسته بشكل علمي دقيق من قبل لجان آثارية وتاريخية متخصصة، من دون التسرّع في البناء فوقه.
وتعتبر «الحملة» أنه سيترتب على هذا الاكتشاف الهام انعكاسات إيجابية على الصرح التعليمي الجديد بدايةّ وعلى المدينة ككل، حيث ستغدو المدرسة معلماً سياحياً بارزاً، وسيكتسب طلابها قيمة تعليمية إضافية من خلال تمكنهم من معايشة تاريخ لبنان الفينيقي والروماني والبيزنطي الذي نتغنى به جميعاً في كتب التاريخ بفضل وجود تلك الآثار تحت مدرستهم الجديدة، والتي يمكن أن تُبنى بشكل معلق فوق الموقع من دون طمسه، والأمثلة كثيرة على حلول كهذه إنشائية في العالم وآخرها في مدينة بيروت.
وناشدت «الحملة المدنيّة لإنقاذ آثار وتراث طرابلس» البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، ومدير المدرسة الأب شكري الخوري، المعروف عنه حبّه للآثار وشغفه بالتاريخ، بالحفاظ على هذا الاكتشاف الأثري الهام، متمنية على وزير الثقافة إعادة النظر بقرار المديرية العامة للآثار والمطالبة بوقف أعمال الصبّ والبناء الجارية بوتيرة سريعة حالياً، وذلك إفساحاً للمجال لتشكيل لجنة من الآثاريين والمؤرّخين والباحثين المتخصّصين من المدينة ومن الوزارة تقوم بالبحث والتنقيب في الموقع ووضع خطة للكشف عنه بالكامل وكتابة تاريخه وحفظه.
ويقول رئيس لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس الدكتور خالد تدمري لـ«السفير»: إن عمق المنطقة المحيطة بالمدرسة الأنطونية كلها أثرية، فهناك كانت طرابلس القديمة، وخلال بداية الثمانينيات من القرن الماضي عثر عددٌ من متعهدي البناء في الميناء وعلى مقربة من الموقع الحالي على مواقع أثرية مشابهة واستخرجوا منها عدداً من الأعمدة المعروضة حالياً في ساحة مار الياس المحاذية للمدرسة، فاذا كان ذلك يحدث خلال الحرب، فهل يعقل أن تطمس معالم من هذا النوع في القرن الحادي والعشرين.
ويضيف: إن التعاطي اللامسؤول من مديرية الآثار مع هذا الاكتشاف الهام يدل على مدى التقصير والاهمال بحق طرابلس والميناء، وهذا يجعلنا نخشى على ثروتنا التراثية والأثرية، لذلك نحن نؤكد على تمسكنا ببناء المدرسة التي هي جزء من نسيج الميناء الحضاري المتنوع، لكن أيضا يجب الحفاظ على الموقع الأثري وتحويله الى متحف يغني المدرسة وطلابها ويجعلها قبلة أنظار الباحثين.
ويأسف تدمري كيف يتم التعاطي مع المدن الأثرية الأخرى، لجهة الاهتمام بالاكتشافات وإقامة المتاحف والمراكز الثقافية لعرضها والاستفادة منها سياحياً واقتصادياً، بينما آثارنا إما منسية أو متصدعة أو مهدمة أو مطمورة، فيما مدينتنا تحتاج الى كل أنواع المبادرات للنهوض بها.
من جهتها، قالت مصادر مديرية الآثار «إن الموقع لا يعتبر أثرياً، والأعمدة كانت مدفونة هناك. وقد تم سحبها تمهيداً لعرضها في أماكن مختلفة».